محمد بن جرير الطبري
19
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أنهما قراءتان مشهورتان في قراء الأمصار ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، غير أن التي عليها عامة قراء الكوفيين أعجب إلي ، لأن التنكيس من الله في الخلق إنما هو حال بعد حال ، وشيء بعد شيء ، فذلك تأييد للتشديد . وكذلك اختلفوا في قراءة قوله : أَ فَلا يَعْقِلُونَ فقرأته قراء المدينة : " أفلا تعقلون " بالتاء على وجه الخطاب . وقرأته قراء الكوفة بالياء على الخبر ، وقراءة ذلك بالياء أشبه بظاهر التنزيل ، لأنه احتجاج من الله على المشركين الذين قال فيهم وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فإخراج ذلك خبرا على نحو ما خرج قوله : لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ أعجب إلي ، وإن كان الآخر غير مدفوع . ويعني تعالى ذكره بقوله : أَ فَلا يَعْقِلُونَ أفلا يعقل هؤلاء المشركون قدرة الله على ما يشاء بمعاينتهم ما يعاينون من تصريفه خلقه فيما شاء وأحب من صغر إلى كبر ، ومن تنكيس بعد كبر في هرم . وقوله : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ يقول تعالى ذكره : وما علمنا محمدا الشعر ، وما ينبغي له أن يكون شاعرا . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ قال : قيل لعائشة : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر ؟ قالت : كان أبغض الحديث إليه ، غير أنه كان يتمثل ببيت أخي بني قيس ، فيجعل آخره أوله ، وأوله آخره ، فقال له أبو بكر : إنه ليس هكذا ، فقال نبي الله : " إني والله ما أنا بشاعر ، ولا ينبغي لي " وقوله : إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ يقول تعالى ذكره : ما هو إلا ذكر ، يعني بقوله : إِنْ هُوَ أي محمد إلا ذكر لكم أيها الناس ، ذكركم الله بإرساله إياه إليكم ، ونبهكم به على حظكم وَقُرْآنٌ مُبِينٌ يقول : وهذا الذي جاءكم به محمد قرآن مبين ، يقول : يبين لمن تدبره بعقل ولب ، أنه تنزيل من الله أنزله إلى محمد ، وأنه ليس بشعر ولا مع كاهن ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَقُرْآنٌ مُبِينٌ قال : هذا القرآن وقوله : لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا يقول : إن محمد إلا ذكر لكم لينذر منكم أيها الناس من كان حي القلب ، يعقل ما يقال له ، ويفهم ما يبين له ، غير ميت الفؤاد بليد . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن رجل ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، في قوله : لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا قال : من كان عاقلا حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا حي القلب ، حي البصر قوله : وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ يقول : ويحق العذاب على أهل الكفر بالله ، المولين عن اتباعه ، المعرضين عما أتاهم به من عند الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ بأعمالهم القول في تأويل قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ وَذَلَّلْناها . . . يَأْكُلُونَ يقول تعالى ذكره : أَ وَلَمْ يَرَوْا هؤلاء المشركون بالله الآلهة والأوثان أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا يقول : مما خلقنا من الخلق أَنْعاماً وهي المواشي التي خلقها الله لبني آدم ، فسخرها لهم من الإبل والبقر والغنم فَهُمْ لَها مالِكُونَ يقول : فهم لها مصرفون كيف شاءوا بالقهر منهم لها والضبط ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَهُمْ لَها مالِكُونَ أي ضابطون حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ فقيل له : أهي الإبل ؟ فقال : نعم ، قال : والبقر من الأنعام ، وليست بداخلة في هذه الآية ، قال : والإبل والبقر والغنم من الأنعام ، وقرأ : ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ قال : والبقر والإبل هي النعم ، وليست تدخل الشاء في النعم وقوله : وَذَلَّلْناها لَهُمْ يقول : وذللنا هذه الأنعام لهم